المحقق البحراني
186
الكشكول
طرفها إلى السماء وقالت : إلهي وسيدي سبحانك بتنا البارحة جياعا واليوم يقف الأمير ببابنا يستسقينا ثم أنها أخذت كوزا وملأته ماء وقالت للمتناول منها : أعذرونا ، فأخذ الأمير الكوز فشرب منه فاستطاب ذلك الماء فقال : هذه الدار لأمير ؟ فقالوا : لا بل لعبد من عباد اللّه الصالحين يعرف بحاتم الأصم ، قال : الأمير : لقد سمعت به ، فقال الوزير : لقد سمعت يا سيدي أنه البارحة أحرم بالحج وسافر ولم يخلف لعياله شيئا وأخبرت بأنهم البارحة باتوا جياعا ، فقال الأمير ونحن قد ثقلنا عليهم اليوم أيضا وليس هذا من المروءة يثقل مثلنا على مثلهم . ثم إن الأمير حل منطقته ورمى بها في الدار ثم قال : من أحبني فليلق منطقته فحل جميع أصحابه مناطقهم ورموا بها إليهم ثم انصرفوا ، فقال الوزير : السلام عليكم أهل البيت لآتينكم الساعة بثمن هذه المناطق ، فلما نزل الأمير رجع إليهم الوزير بثمن المناطق مالا جزيلا ، فلما رأت الصغيرة ذلك بكت بكاء شديدا فقالوا لها : ما هذا البكاء إنما يجب أن تفرحي فإن اللّه تعالى قد وسع علينا ؟ فقالت : واللّه إنما أبكي كيف بتنا جياعا نظر إلينا مخلوق نظرة واحدة فأغنانا بعد فقرنا ، فالكريم الخالق إذا نظر إلينا لا يكلنا إلى أحد . اللهم أنظر إلى أبينا ودبره بأحسن التدبير . وأما ما كان من أمر حاتم فإنه لما خرج محرما ولحق بالقوم فتوجع أمير الركب فطلب طبيبا فلم يجد فقال : هل هنا من عبد صالح ؟ فدل على حاتم الأصم فلما دخل عليه وكلمه دعا له فعوفي الأمير فأمر له بما يركب وبما يأكل وبما يشرب ، فنام تلك الليلة متفكرا في أمر عياله فقيل له في منامه : يا حاتم من أصلح معاملته معنا اصلحنا معاملتنا معه ثم أخبر بما كان من أمر عياله فأكثر من الثناء على اللّه تعالى ، فلما قضى الحج ورجع تلقاه أولاده فعانق الصغيرة وبكى ثم قال : صغار قوم كبار قوم آخرين ان اللّه لا ينظر إلى أكبركم ولكن ينظر إلى أعرفكم به ، فعليكم بمعرفته والاتكال عليه فإنه من يتوكل على اللّه كفاه . قصة الرشيد مع الأموي الدمشقي رفع : إلى الرشيد أن بدمشق رجلا من بني أمية عظيم الجاه والمال كثير الخيل والجند يخشى على المملكة منه وكان الرشيد يومئذ بالكوفة . قال منارة : فاستدعاني الرشيد وقال : اركب الساعة إلى دمشق وخذ معك مائتي غلام وايتني بفلان الأموي ، وهذا كتابي إلى العامل لا توصله إلا إذا امتنع عليك فإذا أجاب فقيده وعادله بعد أن تحصي جميع ما تراه وما يتكلم به ، واذكر لي حاله وماله وقد